النشاط الجنسي والتربية الجنسية للأطفال
كتبهاد. حمدي عرقوب ، في 17 مايو 2009 الساعة: 22:31 م
مقدمة:
اكتسبت كلمة الجنس في مجتمعنا سمعة سيئة ، حيث إنها ترتبط بكثير من المفاهيم الخاطئة والمغلوطة ، نتيجة لموروث ثقافي علق بتراثنا الأدبي والاجتماعي من خلال أفكار ومعتقدات انتشرت في مجتمعاتنا في فترات الضعف والوهن التي مرت بها الأمة، ومن المؤسف حقا أن هذه الأفكار وَجدت من يؤصل لها دينيا وأخلاقيا، وقيميا، سواء عن جهل أو سوء نية.
فكلمة الجنس ترتبط بكل ما هو محرم وعيب، ومفهومها الشائع في مجتمعاتنا العربية ينحصر في معنى الممارسة الجنسية، التي تعتبر جزءا من النشاط الجنسي وليست كل النشاط الجنسي.
إن الصحة الجنسية للطفل تعتمد اعتمادا كبيرا على نموه الطبيعي في مرحلة الطفولة، وانتقاله الطبيعي من مرحلة إلى أخرى، وهذا يتطلب وعيا تربويا ونفسيا، من الآباء والمسئولين عن تربية الطفل وفي مقالتي هذه سوف أتناول هذا الموضوع بمزيد من التفصيل من خلال العناصر الآتية:
· ماهية النشاط الجنسي.
· مظاهر النشاط الجنسي لطفل ما قبل المدرسة وطفل المدرسة الابتدائية.
· التربية الجنسية.
أولا : ماهية النشاط الجنسي:
النشاط الجنسي هو كل المعلومات والمعتقدات والاتجاهات والقيم والسلوكيات الجنسية للأفرد التي يتعامل معها من خلال علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية، كنظام للاستجابات الجنسية، المتمثلة في ادوار الفرد وهويته، وسماته الشخصية ، وأفكاره ومشاعره، وعلاقاته، استنادا إلى الاعتبارات الروحية، الأخلاقية، والنسق القيمي والتنوع الثقافي للمجتمع.
فهو ظاهرة اجتماعية إلى حد كبير، تنمو وتطور مع النمو العام للفرد، فالشخصية الإنسانية كائن اجتماعي يتلمس طوال مراحل نموه السعادة ، والعلاقات الاجتماعية الدافئة، والحب والتقبل من الآخرين، معتمدا على أشكال من السلوك المقبولة اجتماعيا.
وللنشاط والجنسي مظاهر متعددة، يمثل المظهر الجسدي واحدا منها، ولكنه ليس أهمها،
ولذلك فإن النشاط الجنسي لا ينفصل عن النمو الاجتماعي للفرد- ذكرا كان او انثى – او المعتقدات ، والاتجاهات، والقيم، ومفهوم الذات واحترامها.
إن التقبل والحب والتعبير عن المشاعر للآخرين، وتبادلها معهم، ومشاعرنا تجاههم ، أمور لها أهميتها في نمو النشاط الجنسي؛ فنحن نكتسب مكانتنا الفردية بما نقوم به تجاه الآخرين، وشعورنا بالجاذبية نحوهم، وقدرتنا على تكوين الأصدقاء الذين يشاركونا تفكيرنا وخبراتنا التي تتضمن احتياجاتنا الإنسانية العميقة، وما النشاط الجنسي إلا اتصال حميم مع هذه الاحتياجات، ولذلك فإن سلوكنا الجنسي يمتد إلى أبعد من الأحاسيس الجسدية أو إشباع خبراتنا البدنية، إنه الشعور الايجابي تجاه بعضنا البعض، إنه التفاهم والفهم لطبيعة كل منا ذكرا وأنثى، إنه شعورنا تجاه ما نقدمه للآخر ونشاركه فيه، في ضوء ما يسمح به الدين، والقيم الأخلاقية السليمة للمجتمع.
مظاهر النشاط الجنسي للطفل في مرحلة المهد:
في السنة الأولى من عمر الطفل يتمركز الطفل حول ذاته ويكاد ينحصر نشاطه الجنسي في فمه والملامسة الجسدية- كما يذهب أصحاب مدرسة التحليل النفسي – فهو يتعامل مع الأشياء كل الأشياء من خلال فمه، حتى جسده ؛ فهو يمص أصابعه، ويلهو بأطرافه، ويحاول أن يصل إلى أصابع قدمه وهو نائما على ظهره ويجذبها إلى فمه، ولذلك سمى فرويد هذه المرحلة بالمرحلة الفمية،فيجب أن يتعامل الأبوان مع هذه المظاهر على أنها مظاهر نمو طبيعية، ويتسم سلوكهم تجاهها بشيء من الهدوء والتقبل ،فإبعاد يد الطفل من فمه بالقوة أو استخدام المنفرات، أو العقاب يؤدي بلا شك إلى اضطراب وخلل في النمو النفسي والجنسي للطفل، وإهمال الملاعبة والملامسة لجسد الطفل يفقده مصدرا مهما وأساسيا في نموه الاجتماعي والجنسي، وقد يؤدي إلى تثبيت الطفل عند هذه المرحلة، فتظهر لديه مشكلات سلوكية مثل مص الأصابع وعدم الثقة بالنفس.
وفي السنة الثانية من عمر الطفل، يتمكن الطفل من الكلام والمشي وبناء علاقات اجتماعية مختلفة مع المحيطيين به، ويبدأ الطفل في استكشاف بيئته، والتعرف على جسده، وجسد الآخرين، ومن ضمن الأشياء التي يحاول اكتشافها أعضاءه التناسلية؛ فيجد لذة في ملامستها واللهو بها، وتتركز لذته حولها وخاصة منطقة الشرج، ويتلذذ بعملية الإخراج وربما يلهو بإخراجة لو واتته الفرصة لذلك، ويبدأ في استخدام عملية الإخراج كإستراتيجية ضغط على المحيطين به لإشباع حاجاته البيولوجية والاجتماعية، فيجب على الأبوين أن يتحليا بالهدوء تجاه هذه المظاهر السلوكية ويبتعدا قدر الإمكان عن أسلوب النهر، والعقاب البدني، وثورات الغضب عند رؤية الطفل يلهو بأعضائه التناسلية أو بإخراجاته، لأنها إلى حد كبير مظاهر طبيعية للنمو، وليس معنى ذلك أن نترك الطفل دون توجيه أو رعاية تحول دون إيذائه نفسه أو تعود سلوكيات غير سوية، أو إصابته بالأمراض، بل يجب متابعة الطفل ودفعه للانشغال بأنشطة بديلة كلعب بدمية أو طلب المساعدة من الطفل ليعطي شيئا أو يأخذ شيئا ما،مع التأكيد على ضرورة الملاعبة والمداعبة حتى أثناء عملية الإخراج وعدم إظهار أي نفور أو عدم تقبل لفعل الطفل لأنه يراه عدم تقبل له وليس لسلوكه، لأن ذلك له أضراره على نموه النفسي والاجتماعي، والطفل العدواني ما هو إلا طفل أسيئت معاملته في هذه المرحلة.
مظاهر النشاط الجنسي للطفل في مرحلة ما قبل المدرسة:
ومن السنة الثالثة إلى السادسة، يستمر الطفل في اكتشاف بيئته، ويزيد لديه الفضول الجنسي في شكل رغبة ملحة في اكتشاف أعضاء جسمه وخاصة أعضائه التناسلية باعتبارها جزءا من جسمه، كما يحاول أن يكتشف أعضاء المحيطين به، من خلال ما يسمى باللعب الجنسي؛ مثل لعبة الطبيب، والعرس، لعب دور الأب ، لعب دور الأم، لعبة الحصان،و قد يتطور هذا السلوك الجنسي عند الأطفال لما ما يطلق عليه "الاستمناء"، وهو عبارة عن أن يثير الطفل نفسه بأن يلمس أو يحكّ العضو التناسلي باستخدام رجله،أو فخذه،أو يده، أو أن يلعب لعبة مثل لعبة الحصان كان يعتلي ظهر أخيه أو أخته أو وسادة كأنه يركب حصانا، وهذا جزء من الفضول الجنسي عند الأطفال، ومن الفضول أيضا كثرة أسئلة الطفل عن المسائل الجنسية، وكيفية الولادة، ولماذا يحدث الحمل، وعن الفروق بين البنت والولد،وقد تسبب هذه الأسئلة حرجا للآباء، وارتباكا يدفعهم للهروب من الإجابة، أو الكذب على الطفل بإجابات غير صحيحة،و يميل الطفل في هذه المرحلة للجنس الآخر، أي ما معناه، كأن يحب أن يقترب الولد من أمه، والبنت من أبيها، وهو نوع من التوحد العاطفي الطبيعي يهئ الطفل للمرحلة التالية، حيث يتوحد الطفل مع جنسه، ويستقل عن أمه، وعدم التعامل مع الطفل في هذه المرحلة قد يؤدي إلى مشكلات نفسية خطيره أقلها إدمان العادة السرية، والتعلق المرضي بالأم وعدم القدرة على الإقدام على الزواج.
مظاهر النمو الجنسي لطفل المدرسة الابتدائية:
· في هذه المرحلة يبدأ الطفل في الاستقلال عن الأم ويعتمد على نفسه ويتوحد عاطفيا مع الأب، ويدرك الفروق الجنسية بين الذكر والأنثى، ويزيد تمركزه حول ذاته، ويهتم بالخيال والقصص، ويزيد اهتمامه بالمنافسة الأكاديمية، وتزداد لديه الغيرة وخاصة على أخوته، وتحتدم المنافسة بينه وبين أقرانه، ويميل إلى المباهاة، والاهتمام بالكبار، ويتمايز سلوكه الجنسي عن المرحلة السابقة ويتمثل في:
· الخجل والتحرج من الظهور عاريا أمام والديه وأمام الكبار.
· الانجذاب نحو أقرانه من نفس جنسه، وإظهار التبرم من الجنس الآخر، فالأطفال الذكور يميلون إلى بعضهم البعض ، والبنات كذلك، ويجب توفر القدوة الصالحة للطفل في هذه المرحلة كالأب أو المعلم، أو الكبار المحيطين به والمحبوبين منه، منعا من التثبت عند عشق أقرانه من جنسه، لأنه لو لم يمر بهذه المرحلة مرورا طبيعيا فقد تظهر لديه مشكلات جنسية في المرحلة التالية مثل المثلية الجنسية.
· استمرار اللعب الجنسي، وإن اختلفت الدرجة والنوع، حيث يزيد الخيال في لعب الأطفال الجنسي في هذه الفترة، بالإضافة إلى لعب دور الكبار في الحياة الجنسية التي تستوجب من الكبار المتابعة والحيطة، لأنها قد تؤدي إلى عواقب وخيمة لأصحاب اللعبة؛ فقد تؤدي إلى الانحرافات الجنسية في غياب القدوة المتمثلة غالبا في الأب أو المعلم بالنسبة للذكور، والأم والمعلمة بالنسبة للإناث، أو قد تسبب عاهات مستديمة أو مميتة بالنسبة للمشتركين في اللعبة، ولقد تعرضت بحكم تخصصي لحالات كثيرة توضح ذلك الجانب ومنها:
كانت مجموعة من أطفال الريف يلعبون لعبة الطبيب المشهورة عند كل شعوب العالم في هذه المرحلة- وهذه اللعبة الهدف الرئيس منها هو اكتشاف الأعضاء الجنسية للآخر- وكان موضوع اللعبة هو الختان، فما كان من الطفل الذي يقوم بدور الطبيب إلا أن أتى بقطعة من زجاجة مكسورة، ليجعلها شفرة ينجز به عملية الختان، وفعلا قام بمحاولة قطع جزء من العضو الذكري لزميله، فأصابه بجرح عميق ونزيف شديد فصرخ الطفل من الألم وصرخ أقرنه وعلا صراخهم، حتى أتى من ينقذ الطفل، حيث أجريت له عملية جراحية، ليخرج بعدها بخبرة سيئة نتيجة لعبة غابت عنها مراقبة الكبار.
· يزداد فضول الأطفال في هذه المرحلة عن المسائل الجنسية وتكثر أسئلتهم، التي يكثر فيها الجدل وحب الاستطلاع، كما أنهم يتناولون هذه المسائل فيما بينهم.
التربية الجنسية:
التربية الجنسية هي عملية اتصال مستمر مع الطفل، تمد الطفل بمعلومات عن العمليات البيولوجية ، والنشاط الجنسي، والانجذاب، في صورة تتناسب مع المرحلة العمرية التي ينتمي إليها الطفل، وهي عملية تبدأ منذ الميلاد وتستمر طوال الحياة.
وتهدف إلى تزويد الفرد بالمعلومات الدقيقة عن النشاط الجنسي الإنساني، ومساعدتهم على الاكتشاف الواعي الملتزم، وتنمية مشاعرهم واتجاهاتهم، وقيمهم، وتأكيد ذاتهم،واحترامهم لها ، وتنمية مهاراتهم الاجتماعية، والقدرة على التعبير عن نشاطهم الجنسي في صورة مقبولة اجتماعيا.
والتربية الجنسية المبكرة مهمة جدا لإعداد الطفل كي يصبح عضوا فاعلا في حياة الكبار في المستقبل.
إن الأداة الأساسية في التربية الجنسية هي الحوار مع الطفل في كل مراحل نموه، فبعض الآباء يحجمون عن الحديث في المسائل الجنسية أمام أبنائهم، وبعضهم يجد صعوبة في ذلك، فالإحجام عن الحوار عن المسائل الجنسية مع الطفل أو الارتباك والضجر أثنائه، له خطورته على الأبناء، حيث يدفعهم ذلك إلى الانحراف بشكل أو بآخر، نتيجة حصولهم على معلومات خاطئة عن النشاط الجنسي من مصادر أخرى بعيدا عن الأسرة؛ كالأصدقاء، والكتب الإباحية، والصور،والإنترنت، والحوامل الإلكترونية للنشاط الجنسي المنحرف.
إن الحوار عن المسائل الجنسية مع الطفل قبل سن البلوغ له أهميته بالنسبة للحالة النفسية والاجتماعية للطفل، كما أنه يعتبر أساسا قويا للحوار البناء والفاعل في مراحل النمو اللاحقة ، وخاصة مرحلة المراهقة.
دور الآباء في التربية الجنسية:
· يجب على الآباء ألا يعتقدوا أن تربية أبنائهم الجنسية هي مسئولية المدرسة فقط، لأن الوالدين كقدوة ونموذج هما المؤثر الأقوى في شخصية الطفل في مرحلة الطفولة .
· لو قصر الأبوان في واجبهما نحو طفلهما، ولم يقيما معه حوارا إيجابيا عن المسائل الجنسية، سوف يلجأ الطفل إلى مصادر غير موثوق بها ليستقي منها معلوماته عن الجنس.
· الحديث عن المسائل الجنسية لا يجب أن يكون محاضرة أو أوامر ونواه جامدة، ولكن يجب أن يكون الحديث عن المسائل الجنسية بشكل جماعي موضوعا مطروحا كجزء من الحياة اليومية للأسرة.
· يجب على الآباء أن يكونوا منفتحين وهادئين عند الحديث عن المسائل الجنسية أمام الطفل، لأنه لو حدث وتكلم أحد الأبوين في المسائل الجنسية أمام طفله وهو في حالة حرج وارتباك، فإنه سوف تصل إلى الطفل رسالة مضمونها أن المسائل الجنسية محرمة وممنوعة.
· يجب أن يكون الآباء واضحين بشأن تساؤلات أبنائهم عن المسائل الجنسية، على أن تكون الإجابات صريحة ومقنعة ومناسبة للمرحلة العمرية .
· الأطفال الأكبر سنا يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء عن المسائل الجنسية، هؤلاء الأطفال يجب تشجيعهم على الأسئلة كي تصحح لهم المعلومات الخاطئة، وتحديد جوانب الضعف في معلوماته لإمداده بمعلومات صحيحة.
· يجب أن يكون الأب قدوة في التعبير عن مشاعره تجاه زوجته وفي حضور الأبناء، كي يتعلم الأبناء الطرق الصيحة والملتزمة في التعبير عن المشاعر والحب، ولا يجب أن تكون دائما في حجرات مغلقة،ولا يعلن للأبناء إلا العراك والسب والاختلافات اليومية.
استعان كاتب هذا المقال لاكتمال مضمونه على اصدار:
§ National Dissemination Center for Children with Disabilities,1992.
§ ومقالة بعنوان(Practical Aspects of Sexual Education) للدكتور S. Ozalp,Et al
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























